هل يصح وصف الليبراليين والعصرانيين بالمعتزلة الجدد؟


1433هـ

هل يصحُّ علميًّا وصف الليبراليين أو العصرانيين أو الحداثيين بالمعتزلة الجدد ؟

الحمدُ لله حقَّ حمدهِ وأوفاهُ، وأُصلِّي وأُسلِّمُ على رسول الله، أمَّا بعد:
فأطرحُ بدايةً هاتين المقدمتين:
المقدمة الأولى: العصرانيُّون يؤمنون بالنقل ويُخضعونه للعقل، فيسلكون مسلك التأويل.
المقدمة الثانية: الليبراليون لا يؤمنون إلا بالعقل، حيث لا نقل عندهم.
النتيجة: العصرانيون والليبراليون ليس عندهم نصٌّ مقدَّس في اللفظ والمعنى.
هاتان المقدمتان والنتيجة هما لمنهجين يجمعهما وصف الحداثة في كل مناحي الحياة:
العصرانية: وهي مسلك حديث في الفكر، يلبس لباس الإسلام، بالروح الفلسفية والحضارة الغربية، ويذيب مقابل ذلك كل ما دلت عليه النصوص. ومن نماذجه: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، خالص جلبي.
 ويؤمن أصحاب هذه المدرسة بأنهم مفكرون إسلاميون.
والليبرالية: وهي منهج فكري يقوم على الحرية الفردية في كل مناحي الحياة سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا. وينأى أصحاب هذا المنهج بأنفسهم عن أي انتساب فكري إلا لليبرالية.
وقد يكون من المسلمين من خلط بين المنهجين والمذهبين، فيكون أكثره عصرنةً من كونه ليبراليًا، ولهذا أسباب ليس هذا مكان ذكرها.
وهذان المذهبان على اتساعٍ في تشخيصهما واتفاقٍ فيما بينهما حيث يقتربان كثيرًا في النتائج؛ هل يصحُّ وصف أربابهما بالمعتزلة الجدد؟ أو جعلهما المذهب الحديث للمعتزلة القدماء؟ كما جاء في وصف بعض طلبة العلم الشرعيين لهذين المذهبين.
حينما نُفرِّق بين العصرانية والليبرالية كمصطلحين افترقا استقرائيًا بمجموع وسائلهما، فإنَّنا ننظر أيضًا إلى المعتزلة كمصطلحٍ بمجموع أفكاره.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
( إن الاعتقادات قد تؤثر في الأحكام الشرعية فهذه أيضا الناس فيها طرفان ووسط :
الطرف الأول : طرف الزنادقة الإباحية الكافرة بالشرائع والوعيد والعقاب في الدار الآخرة الذين يرون أن هذه الأحكام تتبع الاعتقاد مطلقا. والاعتقاد هو المؤثر فيها فلا يكون الشيء واجبًا إلا عند من اعتقد تحريمه، ويرون أن الوعيد الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم بما اعتقدوه ..، وقد يقول حذاق هؤلاء من الإسماعيلية والقرامطة وقوم يتصوفون أو يتكلمون وهم غالية المرجئة : إن الوعيد الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت عنه من غير أن يكون له حقيقة
الطرف الثاني : طرف الغالية المتشددين الذين لا يرون للاعتقاد أثرًا في الأفعال بل يقول غاليتهم كقوم من متكلمة المعتزلة : إن لله حكما في كل فعل من أخطأه كان آثما معاقبا فيرون المسلم العالم المجتهد متى خفي عليه دليل شرعي وقد اجتهد واستفرغ وسعه في طلب حكم الله أنه آثم معاقب على خطئه فهذا قولهم في الاجتهاد والاعتقاد ثم إذا ترك واجبا أو فعل محرما قالوا بنفوذ الوعيد فيه فيوجبون تخليد فساق أهل الملة في النار وهذا قول جمهور المعتزلة والخوارج ولكن الخوارج يكفرون بالذنب الكبير أو الصغير عند بعضهم . وأما المعتزلة فيقولون : هو في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر ) الفتاوى 19/151.

فالمعتزلة انطلقت في أول نشأتها وعيدية في باب الأسماء والأحكام، ترى فاعل الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا هو مسلم ولا كافر في الدنيا، وفي الآخرة كافر مخلد في النار.
ثم تبعت المعتزلةُ الجهميةَ بعد أن ظهر قولها في مسائل نفي الصفات التي نشأ عنها القول بخلق القرآن وإنكار الرؤية ونحوها. وإلا لم يكن المعتزلة الأوائل يقولون بخلق القرآن كما قال ابن القيم في نونيته:
هذي مقالة كلِّ جهميٍّ وهمْ     فيها الشيوخ معلِّموا الصبيان
لكنَّ أهلَ الاعتزال قديمهم    لم يذهبوا ذا المذهب الشيطانيْ
وإنما كان ظهورهم أول الأمر بسبب وعيديتهم التي هي من طرف الغلو والتشدد لا من طرف التزندق والإباحية . ثم لحق المعتزلةُ الجهميةَ بباب التعطيل ونفي الصفات ومنها القول بخلق القرآن.
لكن المعتزلة خالفت الجهمية في أبواب  أخرى من أهم أبواب الاعتقاد:
-      في باب القدر، فالمعتزلةُ قدرية نفاة، والجهمية جبرية.
-      في باب الأسماء والأحكام، فالمعتزلة وعيدية، يرون الإيمان قول وعمل، والجهمية مرجئة يرون الإيمان هو المعرفة أو التصديق.
وهذان البابان تقع عندهما حقيقة مقارنة العصرانيين والليبراليين بالمذاهب القديمة، هل يوافقون المعتزلة أم الجهمية في تقريراتهم؟.
إنَّ الطرح العصراني والليبرالي والحداثي من المسلمين عمومًا في المسائل الدينية هو طرحُ زندقة وإباحة، كطرح الجهمية في باب الإيمان، وهو طرحٌ يلغي جوانب الوعيدية التي هي سمة المعتزلة.
 وسمات الطرح الحداثي ( العصراني والليبرالي ) -الذي هو جهميٌّ ليس معتزلي في الحقيقة- يظهر وفق ما يلي:
1- جعل الإيمان مجرد المعرفة في القلب كما هو مذهب الجهمية المرجئة، هو سمةُ تصحيحِ كثير من العصرانيين والليبراليين إيمان أصحاب الأديان السماوية الثلاثة وصحة من انتسب إليها، والدعوة إلى التقريب بينها. بجامع أنَّها كلها تشترك في المعرفة والتصديق.
وهو يخالف أصول المعتزلة الذين يرون أنَّ الإيمان قول وعمل، لا يكفي فيه المعرفة ولا التصديق. بل إن المعتزلة اختلفوا على أكثر من خمسة أقوالٍ ليس كلها تجعل الفرائض والأوامر من أصل الإيمان الذي إذا ذهبت ذهب الإيمان كلُّه.
2- كون العمل ليس من الإيمان كما هو مذهب الجهمية المرجئة، هو سمة تقريرِ كثير من العصرانيين والليبراليين في إلغاء المكفِّرات ونواقض الإيمان، والتهوين من الطاعات، والسخرية من رقِّ الإنسان للخطيئة ومبدأ الثواب والعقاب الأخروي.
بخلاف المعتزلة الذين تشددوا في مسألة الوعيد فكفَّروا مرتكب الكبيرة. بل إنَّ لهم نصوص في تشديد العقوبة ومضاعفتها على من تاب وعاد.
3- قول الجهمية في القدر وأنَّ الإنسان مجبور، هو سمةُ طرح بعض العصرانيين والليبراليين في نفي التوكل، ونفي تأثير الاستعانة بالله تعالى. وكذلك سمة لاحتجاجهم باتباع الإنسان ما يهواه وترك التديُّن، وأنَّ الفطرة والذات مجبورة على ذلك قدرًا.
4- حكاية بعض غلاة المرجئة القدماء كأصحاب محمد بن شبيب في قولهم: ( وأمَّا ما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء، فإنَّ الرادَّ للحق لا يكفر وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يرد على رسول الله ما جاء به من عند الله سبحانه ولا على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه و سلم ونصوا عليه. والخضوع لله هو ترك الاستكبار، وزعموا أنَّ إبليس قد عرف الله سبحانه وأقر به وإنما كان كافرًا لأنَّه استكبر ) مقالات الإسلاميين ص 1/137.
هذا القول هو من جنس كلام العصرانيين والليبراليين في أنَّ الرادَّ للحق ما لم يكن مقتنعًا به، أو أنَّ حريته دعته إلى غير ذلك لا يعتبر كافرًا بالله ولا برسوله، ولا مرتدًا عن دين الله. وأنَّ العقل يسعه أن يقبل أو يرد مثل هذا.
وهذا المبدأ لا تجده عند المعتزلة الوعيدية، الذين تشددوا في التكفير.
أمَّا عن تقديم المعتزلة للعقل على النقل فإنِّي أراه السبب الوحيد الذي جعل البعض يصفُ العصرانيين والليبراليين من المسلمين بالمعتزلة الجدد.
وهو ما يصعبُ ربط التشابه بينهما لأمرين:
1- مبدأ تقديم العقل على النقل عند المعتزلة هو في باب الصفات فوقعوا بالتعطيل عند تأويل نصوصها. أمَّا العصرانيون والليبراليون فإنَّ أهم ما قدَّموا وعظموا فيه العقل وأبطلوا وأولوا النقل فهو في باب الأسماء والأحكام، وكذلك باب النبوات والغيبيات. فقد تبع أكثر العصرانيين آراء الفلاسفة المنتسبين للإسلام في أنَّ الأنبياء مجيئهم كان لتهذيب البشرية، وأنَّ الذات الإنسانية لا تسير إلا وِفْقَ مُثُلٍ بشرية فقط. وفي الغيبيات نجد أنَّ كثيرًا من العصرانيين وجُلَّ الليبراليين يقفون موقف الإنكار بل والاستهجان من نصوص مسائل عذاب القبر ووقوع العين والسحر وعالم الجن ونحوها. وهذا التقرير لا يسير مع المعتزلة الوعيدية.
فمبدأ تقديم العقل على النقل في باب الإيمان والأحكام عند المعتزلة يختلف عن موقف العصرانيين والليبراليين، مما له أثرٌ في الأحكام بين الفئتين.
2- أن المعتزلة عندهم آيات محكمات، فقول الله تعالى ( ومن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا فجزاؤه جهنَّم خالدًا فيها ..) من الآيات المحكمات. يقول الإسكافي من المعتزلة عن قول الله تعالى (آيات محكمات هنَّ أم الكتاب) قال: (هي التي لا تأويل لها غير تنزيلها ولا يحتمل ظاهرها في السمع المعاني المختلفة).
والمعتزلة أيضًا يبنون من وراء هذا الآيات المحكمة حقيقةً معنوية ثابتة وإن كانت مخالفة لنصوص أخرى من التنزيل لم يعملوا بها جهلاً وغلوًا. يقول أبو بكر الأصم من المعتزلة: (قال الله سبحانه آيات محكمات هنَّ أُمُّ الكتاب أي الأصل الذي لو فكرتم فيه عرفتم أنَّ كل شيء جاءكم به محمدٌ حق من عند الله سبحانه).
بينما العصرانيون جوَّزوا أن يكون القرآن كله من المتشابه الذي يجوز أن يكون له أكثر من معنى وتأويل. ومعنى هذا ألا يكون هناك للآيات معانٍ ثابتة عندهم.
ومن تأمَّل كلام محمد عبده والأفغاني وغيرهم ممَّن خلط بين العصرنة والليبرالية كمحمد عابد الجابري وأركون ونحوهم يجد في تفسيراتهم للمكفرات والغيبيات عدم ثبوتها على حقيقة واحدة، فيقبلون كلَّ تأويلٍ من المذاهب، ويصححون ما يدرُج عليه المتصوفة والمتكلمون والفلاسفة.
 أمَّا الليبراليون من المسلمين فالأصل ألا نصَّ عندهم مقابل الحرية الفردية، لكن قد يسلك كثير منهم مسلك العصرانيين في هذا كما سبقت الإشارة إليه.
بعد هذا أصلُ إلى النتيجة التي هي أنَّ العصرانيين والليبراليين من المسلمين هم الجهمية الجدد، لا المعتزلة الجدد. وهم المذهب الحديث للجهمية لا المعتزلة.
والحمد لله رب العالمين.

ضابط الفرق بين أهل السنة ومخالفيهم في حديث الافتراق


بسم الله الرحمن الرحيم

هذا تلخيصٌ لبحث الدكتور عبد الله القرني : ضابط الفرق بين أهل السنة ومخالفيهم  في حديث الافتراق ..

1- إذا كان كل تفرقٍ في الدين فلا بد أن يكون عن اختلاف فإنه ليس كل اختلاف يلزم منه التفرق في الدين. فوصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرق من التفرق لا يلزم من مجرد الاختلاف. فقد صحت نسبة الاختلاف إلى الصحابة لكن لا تصح نسبة التفرق إليهم. وكذا الأئمة الأربعة وأئمة السلف من بعدهم.
2- الالتزام بهدي السلف هو الالتزام بما أجمعوا عليه وهو يشمل: إجماعهم في مصدر التلقي بالتسليم المطلق وما أجمعوا عليه في أصول الاعتقاد، وكل طائفة نُظر إلى انحرافها من جهة ما خالفت فيه إجماع السلف فلابد أن يكون الانحراف في مصدر التلقي ثابتًا لها، وهو حكم لا ينخرم في جميع الفرق المخالفة لأهل السنة.
3- أن اختلاف الصحابة و أئمة السلف الصالح داخل في عموم اعتبار هديهم، وليس الاعتبار فقط فيما أجمعوا عليه. فما أجمعوا عليه قطعًا هو الحق، وما اختلفوا فيه فلا يخرج الحق عن هذا الاختلاف، فوجب في الحالتين ابتاعهم، وإلا لوسع الخروج عليهم في الاتفاق كما وسع في حال اختلافهم. قال الإمام أحمد: ( يلزم من قال يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا أن يخرج من أقاويلهم إذا اجتمعوا ).
4- فهم السلف ليس أمرًا مستقلاً عن دلالات النصوص وإنما هو المعيار الحقيقي لفهم النصوص، وإن كان اللسان العربي يفهم دلالات اللفظ على المعنى.
5- الفرق بين ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم  وبين ما يكون من النوازل بعد عصرهم هو من قبيل الفرق بين تنقيح المناط وتحقيق المناط.فمعرفتهم للدليل وما يدل عليه لا يلزم أن يعرفوا تفاصيل ما قد يكون من الوقائع والنوازل مستقبلاً المنطبقة على هذا الدليل ودلالاته. لهذا نجد من العلماء من يحكم في بعض المسائل التي لم تكن حادثة في زمن الصحابة ويحكون إجماع الصحابة فيها لما يعلمون من فقههم وما يلزم ضرورة من علمهم بهذه المسائل، كما نسب عمرو بن دينار القول بأن القرآن منزل غير مخلوق إلى الصحابة، وكما نسب الشافعي إجماع الصحابة على أن العمل من الإيمان.
6- مستند اعتبار الإجماع في التمييز بين أهل السنة ومخالفيهم أن الخلاف بينهم لا يعدو أن يكون فيما أجمع عليه السلف وإما أن يكون دونه، فإن كان فيما أجمع عليه السلف فلاشك أن مخالفتهم توجب الفرقة وأن يكونوا على باطل. وإن كان فيما دون ما أجمعوا عليه فالفرقة ومفارقة جماعة المسلمين لا تحصل بمجرد ذلك، والدليل عليه أن السلف وقع بينهم خلاف دون أن يوجب تفرقة بينهم.
7- اختلاف العلماء في معنى ( الجماعة ) الوارد في حديث الافتراق ليس من باب اختلاف التضاد بل هو من اختلاف التنوع، بذكر ما يُميز وصف الجماعة.
8- الإمام الشاطبي رحمه الله استوعب الأقوال في شرح معنى ( الجماعة ) الواردة في حديث الافتراق وأرجعها إلى خمسة أقوال: 1-السواد الأعظم من أهل الإسلام، 2- جماعة أئمة العلماء المجتهدين، 3-الصحابة، 4-جماعة أهل الإسلام، 5- جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. وهذه الأقوال ترجع إلى أحد معنيين: الأول إلى معنى الإجماع الذي أجمعت عليه الأمة، الثاني لزوم جماعة المسلمين في طاعتهم لإمامهم.
9- الأصل في كل مسلم أنه من أهل السنة والجماعة حتى يثبت في حقه ما يقتضي الحكم بشذوذه عن هذا الأصل. وهذا ما يفيده تفسير الجماعة الوارد في الحديث بالسواد الأعظم وجماعة أهل الإسلام.
10- استشكل بعض العلماء في حديث الافتراق أن الفرقة الناجية ليست إلا طائفة قليلة العدد نسبتها كنسبة الفرقة الواحدة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهو معنى لا يستقيم على تفسير الجماعة بالسواد الأعظم أو جماعة المسلمين. وهذا الاستشكال لعله هو الذي حمل ابن حزم على القول بأن الحديث لا يصح، وتبعه ابن الوزير على ذلك. ومع تلقي الأئمة والعلماء حديث الافتراق بالقبول إلا أن الشاطبي رحمه الله وجّه معنى الجماعة بالسواد الأعظم أنه مرتبط بكونهم ملتزمين بالإجماع وجعل من سوى الأئمة من الأتباع داخلون في حكمهم لأنهم تابعون ومقتدون بهم إلا من شذ عنهم.
11-  من الإشكالات الباطلة التي قد ترد أنّ بعض علماء الأمة وقع في البدعة، فيكون قوله معتبرًا من جهة كونه عالمًا وغير معتبر من جهة كونه قد خالف الإجماع، فيحصل التناقض. وقد أجب الشاطبي على هذا الإشكال بما حاصله أن البدعة قد أخرجته عن أن يُعتدّ بقوله، لأنه ببدعته قد خالف الإجماع، كبعض العلماء الذين وقعوا في تأويل بعض الصفات فلا يكون قولهم ناقضًا للإجماع الذي كان عليه السلف الصالح في نصوص الصفات، ولا يعد خلافهم خلافًا معتبر . ويبقى النظر في المجتهد المبتدع هل يُقبل خلافه في غير بدعته لأصل إسلامه أم يقدح فيه، وبعضهم فرق بين الداعية لبدعته وغير الداعية.
12-   في تفسير ( الجماعة ) بجماعة أهل الإسلام هو من جهة إجماع علمائهم الذي هو إجماع لأتباعهم، ولهذا أرجع الشاطبي هذا التفسير إلى المعنى الأول وهو السواد الأعظم.
13-   لا يمكن أن يُحكم بكفر الفرق المخالفة لمجرد أن تفسير الجماعة بجماعة أهل الإسلام جاء في مقابل الملل المخالفة للإسلام وأصل الديانة، وإلا لما كان للأقوال الأخرى قيمة، فوجب ترادف تفسير ( جماعة أهل الإسلام ) بتفسير ( السواد الأعظم )، علاوة على أنّ أحدًا لم يقله من العلماء المشهود لهم.
14-   ومما يدفع الاستشكال السابق أن ظاهر حديث الافتراق يدفع تكفير الفرق الهالكة، كما يدفع دخولها جميًعا في معنى الجماعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم من أمته وما حصل من تلك الفرق لم يبلغ بمجموعه خروجهم من الإسلام إلى الكفر، ولهذا يقول الخطابي: ( فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي من أمته )، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ومن قال إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة ، فليس فيهم من كفَّر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة ، وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات ).
        15- تبين أن معنى الجماعة لا يخرج عن معنيين: إما أن يكون لزوم جماعة المسلمين وإجماعهم، وإما أن يكون لزوم طاعة إمام المسلمين. والمعنى الأول لازم للمسلم في كل وقت وكل حين، والثاني قد ينفصل عن حال بعض المسلمين كما استشكله حذيفة رضي الله عنه في سؤاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام.

والله أعلم

سلوة النفس الكؤود في سيرة الشيخ محمد بن فرهود

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم فأحسن عملا ... أما بعد:
ففي صبيحة هذا اليوم - يوم عيد الفطر – من عام أربعة وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة النبوية توفيَ فضيلة الشيخ الصابر المحتسب محمد بن عبد الله فرهود -الحلَبي- رحمه الله رحمةً واسعة عن عمرٍ يناهز الخامسة والثمانين عامًا . والشيخ صفحة مرّت عليها المأساة والغربة والحاجة مع الرغبة في العلم والتعليم. كما أنَّه لم يَحظ بعناية طلبة العلم به، عاش في حائل محبًا لها ولأهلها كما ستقرأ ذلك.  قضى الشيخ نصف عمره الباقي في حائل وتوفي بها. وفي نفثة مصدور عن الشام وما فعل به طغاته على مر السنين تمنّى –وأنا أسمع- أن يقبضه الله في هذه البلاد.
وقد كتبَ الشيخ بخطِّ يده سيرته في صفحات. وقبل أن أنقلها لك أود أن أكتبَ ما لم يكتبه الشيخ عن نفسه، وما رأيتُهُ ورآه غيري منه- وقد يكون عند غيري ما هو أدق وأكمل- ، لأنَّ الشيخ انقطع عن التدريس والإمامة فطرة طويلة، وقد انعكست عليه وعلى الجيل المتأخر من الشباب لعدم معرفتهم به .
وما أنشره ليس إلا وفاءً لهذا الشيخ الجليل، وذكرى  عطرة لمن لم يعرفه من أبناء هذا الجيل، مؤمِّلاً أن تبقى سيرته عطرةً بين نفحات سير أهل العلم والدين ، راجيًا ممّن عرف الشيخ أن يُقدِّمَ له بعد ما فارقنا ما يسرُّه في قبره ، فللشيخ حق كبير على حائل وأهلها ، والله المستعان.
رُزئت لفقدك حائلٌ وجبالها  **   وتوشَّحت حزنًا بيوم العيدِ
وانهدّ من حصن الفضائل ركنُها  ** تغدو المدائنُ بعدكم كالبيدِ
فبمثلك الصبرُ المعظّم يُرتجى  ** مِن عندِ مبدئ خلقه ومعيدِ
.....
* الشيخ رحمه الله مدرسة في التواضع، ولين الجانب، وحسن القول ، صبورٌ على لواء أصابته في بلاده، وضيق وغربة هنا.
* ولد الشيخ في مدينة حلب الشهباء في حدود عام 1930م، في بيتٍ سيصفه لك الشيخ بنفسه. وحلب هي من مدن العلم وأهله في بلاد الشام.
* مِن أكثر مَن تأثر بهم الشيخ شيخه محمد راغب الطباخ رحمه الله محدث الشام المشهور، وقد أجازه بمروياته.وقرأ عليه في البخاري ومسلم والشمائل المحمدية وغيرها.
وممَّن حضر الشيخُ مجالسَهم واستفاد منهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ، ومن هذه المجالس التصقت معرفته ببلديِّه الشيخ عبدالفتاح أبو غدّه رحمه الله، وقد حدثني بذلك مرارًا. وهذه لم يكتبها الشيخ في سيرته لأن الشيخ كتب من درّسه في الثانوية والجامعة. وقد كان الشيخ أبو غدة يديم السؤال عن شيخنا محمد وهو في الرياض، والتقيا أكثر من مرّة في السعودية، غير أنَّ الصلة التي كانت بينهم هي صلة مودّة أهل البلدة الواحدة.
* الشيخ عالم في علوم اللغة؛ في النحو والبلاغة، ويهتمّ بعلم الاشتقاق، ولا يدع من يتحدث إليه بالفصيح يلحن، وأمَّا من يخلط الفصيح بالعامية فلا يرد عليه بشيء. ولو قُدِّر لي أن أكتب عنه ما صحَّحه من الألفاظ المشتهرة على الألسن لجاءت في صفحات.
* الشيخ نشأ على المذهب الحنفي، وفي الجامعة درس الفقه على المذاهب الأربعة، والشيخ يهتم بالألغاز الفقهية.
* نشأ الشيخ في بيئة أشعرية فيها تصوف، وكانت دراسته الجامعية في كلية الشريعة بدمشق سببًا لتمسُّكه بمنهج السلف الصالح في الاعتقاد.
ومن المواقف المؤثرة التي سمعتها من الشيخ؛ أنَّه دخل كليَّة الشريعة وابنُ تيميَّة عنده رجلٌ منحرفٌ ضالٌّ في كتبه وردوده بسببِ ما كان يسمعه من بعض المشايخ المتعصبين، يقول الشيخ: ( فما تخرَّجتُ من كلية الشريعة إلا وابنُ تيميَّة من أحبِّ العلماء إليَّ بسبب قراءتي لكتبه بتجرّد ). وهذه الحكاية حجرةٌ أضعها في فمِ من يحاول التشكيك في عقيدة الشيخ رحمه الله.
* قُتل للشيخ ولدان ( عبد الله وأنس ) قتلتهم جيوش الطاغية حافظ الأسد في أحداث مجزرة حماة مابين 1980- 1982م. وكان لمجرد ذكر هذه الحادثة يتأثر الشيخ رحمه الله فلم أشأ أن أسأله عن تفاصيلها.
* تولى الشيخ التدريس في مدارس تحفيظ القرآن ثم في كلية المعلمين بحائل، وتولَّى الإمامة والخطابة في جامع عيسى المهوس (جامع سوق الخضار) فترة طويلة.
* وكان الشيخ يُلقي دروسًا في المسجد وفي البيوت، وقرأ عليه عدد  من طلاب العلم في حائل واستفادوا منه خصوصًا في النحو واللغة. وممَّا قُرئ عليه وشرحه الشيخ: الآجرومية،  قطر الندى، ألفية ابن مالك، مقامات الحريري وغيرها من كتب اللغة.
* لم يهتم الشيخ بالإسناد رغم تلقيه عن شيخه راغب الطباخ محدث الشام الإجازة في مروياته وغيره، ولم يكن يجيز على طريقة المجيزين بأن يكتب إسناده كاملاً. وذكر لي أنّ إجازاته كانت مكتوبة عنده لكنه لم يهتم بها وضاعت.
وقد أخذ عنه الإجازة عدد من المشايخ وطلاب العلم، منهم: الشيخ المسند صالح العصيمي، والشيخ الحنبلي محمد بن ناصر العجمي الكويتي، والشيخ محمد زياد التكلة وغيرهم، هؤلاء رحلوا إليه في حائل ، وغيرهم.
وأتركك الآن مع ترجمة الشيخ لنفسه الموجزة التي كتبها بيده في 16/8/1424هـ  - وستراها مرفقة- :
( اسمي محمد عبد الله فرهود، سوري الجنسية، من مدينة حلب، وانحدرت من أسرة فقيرة ليست ذات حظٍّ من الثراء. ووالدي رحمه الله لم يكن من أهل العلم، بيد أنه كان محبًا لأهل العلم، وكان يحرص كل الحرص أن أرافقه لحضور حلقات العلم وسماع المواعظ والرقائق، فنلتُ الفوائد الجمَّة من أولئك المشايخ وأنا في نعومة أظفاري. ثم دخلتُ المدرسة الابتدائية ( سيف الدولة ) وأكملتُ فيها تحصيلي من هذه المدرسة. وأتيح لي أن ألتحق بمعهد شرعي يُسمَّى آنذاك ( الكلية الشرعية )، قوام الدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية بالإضافة إلى العلوم الأخرى ونهلتُ من هذه العلوم على نخبة من العلماء الأفذاذ والمشايخ الأعلام، أذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر: الشيخ محمد راغب الطباخ، مدرس الحديث الشريف ومصطلح الحديث والتاريخ، وله مؤلفات كثيرة وتحقيقات تشهد بغزارة علمه وعلوِّ كعبه. والشيخ محمد أبو الخير زين العابدين مدرس العقيدة وكان راسخًا في العلم، والشيخ نجيب الخياطة مدرس  التجويد والفرائض، وكان عملاقًا في كل ما يدرس. والشيخ محمد الملاح مدرس النحو والبلاغة والعروض، فكان حاذقًا في كل ما يُدرسه. والأستاذ عبدالرحمن الباشا كان يُدرِّس الأدب العربي كأنَّه جدول رقراق، وغير هؤلاء من الأساتذة القديرين. أسبغ الله عليهم رحمته.
لما فرغتُ من دراستي في الكلية الشرعية كانت نفسي توّاقة إلى الدراسة في الأزهر ، لكن افتُتحت كلية الشريعة في جامعة دمشق سنة 1954م، فأغنتني عن الذهاب إلى مصر. وجزى الله من سعى إلى إنشاء هذه الكلية التي كانت صرحًا علميًا سامقًا، ويسر الله لي الالتحاق بهذه الكلية، من أبرز أعلام الكلية حينذاك الشيخ الدكتور مصطفى السباعي الذي درّس الفقه، والشيخ مصطفى الزرقا الذي درّس الأصول، والشيخ محمد المبارك درّس فقه اللغة ونظام الإسلام، والدكتور أبو اليسر عابدين درسنا النحو . وآخرون. وارتشفتُ من مناهل هؤلاء الأعلام، وحصلتُ على شهادة (ليسانس) وانخرطت في سلك التعليم. درّستُ أولا في مدينة دير الزور ولبثتُ في هذه المدينة سنتين من سنة 1959م حتى سنة 1961م، ثم نُقلت إلى مسقط رأسي مدينة حلب حتى سنة 1970م.
1390هـ ذهبت إعارة إلى المملكة العربية السعودية فدرّست في منطقة القصيم أربع سنوات، كانت سنوات خصبة، تعرفت  خلالها على أساتذة أجلاء وأصدقاء أوفياء، فكانوا خير نموذج يُحتذى. حتى إذا انصرمت سنوات الإعارة رجعتُ إلى بلدي. لكن نفسي كانت تشرئبُّ إلى العودة إلى المملكة العربية السعودية حيث تكتحلُ عيناي بالحج والعمرة، وقد تحققت ما كانت تهفوا إليه نفسي فعدتُّ كرةً أخرى وكان حظي مدينة حائل مدينة حاتم الطائي حيث درّست في ثانوية تحفيظ القرآن  من سنة 1400هـ حتى 1413هـثم انتقلتُ على كلية المعلمين حتى 1419هـ، ثم انتقلت كفالتي إلى جمعية تحفيظ القرآن لأكون فيها موجهًا ومستشارًا تعليميًا.
لله درُّ أهل حائل فيهم الأصالة والخلق الأشم والوفاء .... ).
رحم الله الشيخ محمد فرهود، وجعله مع أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلحٍ منضود وظل ممدودٍ وماء مسكوب وفاكهة كثيرة .. وجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وكتبه
حسان بن إبراهيم بن عبدالرحمن الرديعان
بعد عشاء يوم عيد الفطر عام 1434هـ

منبع الكرم والشمائل في ذكر أخبار وآثار من عاش من أهل العلم في حائل




هذا الكتاب هو موسوعة توثيقية حول الحركة العلمية وتاريخها في منطقة حائل، وهو يغطي في تاريخها فترة حكم آل علي ثم آل رشيد ثم حائل في العهد الحاضر المملكة العربية السعودية، شمل هذا الكتاب الحديث عن نشأة العلم وأهل العلم وحلقاتهم، والمدارس العلمية التي مرت عليها المنطقة، مع ذكر تفاصيل هذه المدارس وأبرز علمائها، وموقفها من تبعية إمارة حائل للدولة العثمانية في ذلك الوقت، وكذلك الحديث عن القضاء قبل المحاكم الرسمية وأبرز القضاة، والحديث عن مدارس الإقراء، ثم بعد ذلك تراجم للعلماء والمتقدمين من طلبة العلم. وقد حوى الكتاب ما يقرب من 270 وثيقة متعلقة بموضوع الكتاب، مع إلحاق الكتاب بصورة ملونة من كتاب زهر الخمائل للشيخ علي الهندي الذي هو أول كتاب في تراجم أهل العلم صدر في حائل .

الكتاب صدر عام 1430هـ/ 2009
على نفقة مكتبة الأستاذ فهد العريفي رحمه الله بحائل