سلوة النفس الكؤود في سيرة الشيخ محمد بن فرهود

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم فأحسن عملا ... أما بعد:
ففي صبيحة هذا اليوم - يوم عيد الفطر من عام أربعة وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة النبوية توفيَ فضيلة الشيخ الصابر المحتسب محمد بن عبد الله فرهود -الحلَبي- رحمه الله رحمةً واسعة عن عمرٍ يناهز الخامسة والثمانين عامًا . والشيخ صفحة مرّت عليها المأساة والغربة والحاجة مع الرغبة في العلم والتعليم. كما أنَّه لم يَحظ بعناية طلبة العلم به، عاش في حائل محبًا لها ولأهلها كما ستقرأ ذلك.  قضى الشيخ نصف عمره الباقي في حائل وتوفي بها. وفي نفثة مصدور عن الشام وما فعل به طغاته على مر السنين تمنّى وأنا أسمع- أن يقبضه الله في هذه البلاد.
وقد كتبَ الشيخ بخطِّ يده سيرته في صفحات. وقبل أن أنقلها لك أود أن أكتبَ ما لم يكتبه الشيخ عن نفسه، وما رأيتُهُ ورآه غيري منه- وقد يكون عند غيري ما هو أدق وأكمل- ، لأنَّ الشيخ انقطع عن التدريس والإمامة فطرة طويلة، وقد انعكست عليه وعلى الجيل المتأخر من الشباب لعدم معرفتهم به .
وما أنشره ليس إلا وفاءً لهذا الشيخ الجليل، وذكرى  عطرة لمن لم يعرفه من أبناء هذا الجيل، مؤمِّلاً أن تبقى سيرته عطرةً بين نفحات سير أهل العلم والدين ، راجيًا ممّن عرف الشيخ أن يُقدِّمَ له بعد ما فارقنا ما يسرُّه في قبره ، فللشيخ حق كبير على حائل وأهلها ، والله المستعان.
رُزئت لفقدك حائلٌ وجبالها  **   وتوشَّحت حزنًا بيوم العيدِ
وانهدّ من حصن الفضائل ركنُها  ** تغدو المدائنُ بعدكم كالبيدِ
فبمثلك الصبرُ المعظّم يُرتجى  ** مِن عندِ مبدئ خلقه ومعيدِ
.....
* الشيخ رحمه الله مدرسة في التواضع، ولين الجانب، وحسن القول ، صبورٌ على لواء أصابته في بلاده، وضيق وغربة هنا.
* ولد الشيخ في مدينة حلب الشهباء في حدود عام 1930م، في بيتٍ سيصفه لك الشيخ بنفسه. وحلب هي من مدن العلم وأهله في بلاد الشام.
* مِن أكثر مَن تأثر بهم الشيخ شيخه محمد راغب الطباخ رحمه الله محدث الشام المشهور، وقد أجازه بمروياته.وقرأ عليه في البخاري ومسلم والشمائل المحمدية وغيرها.
وممَّن حضر الشيخُ مجالسَهم واستفاد منهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ، ومن هذه المجالس التصقت معرفته ببلديِّه الشيخ عبدالفتاح أبو غدّه رحمه الله، وقد حدثني بذلك مرارًا. وهذه لم يكتبها الشيخ في سيرته لأن الشيخ كتب من درّسه في الثانوية والجامعة. وقد كان الشيخ أبو غدة يديم السؤال عن شيخنا محمد وهو في الرياض، والتقيا أكثر من مرّة في السعودية، غير أنَّ الصلة التي كانت بينهم هي صلة مودّة أهل البلدة الواحدة.
* الشيخ عالم في علوم اللغة؛ في النحو والبلاغة، ويهتمّ بعلم الاشتقاق، ولا يدع من يتحدث إليه بالفصيح يلحن، وأمَّا من يخلط الفصيح بالعامية فلا يرد عليه بشيء. ولو قُدِّر لي أن أكتب عنه ما صحَّحه من الألفاظ المشتهرة على الألسن لجاءت في صفحات.
* الشيخ نشأ على المذهب الحنفي، وفي الجامعة درس الفقه على المذاهب الأربعة، والشيخ يهتم بالألغاز الفقهية.
* نشأ الشيخ في بيئة أشعرية فيها تصوف، وكانت دراسته الجامعية في كلية الشريعة بدمشق سببًا لتمسُّكه بمنهج السلف الصالح في الاعتقاد.
ومن المواقف المؤثرة التي سمعتها من الشيخ؛ أنَّه دخل كليَّة الشريعة وابنُ تيميَّة عنده رجلٌ منحرفٌ ضالٌّ في كتبه وردوده بسببِ ما كان يسمعه من بعض المشايخ المتعصبين، يقول الشيخ: ( فما تخرَّجتُ من كلية الشريعة إلا وابنُ تيميَّة من أحبِّ العلماء إليَّ بسبب قراءتي لكتبه بتجرّد ). وهذه الحكاية حجرةٌ أضعها في فمِ من يحاول التشكيك في عقيدة الشيخ رحمه الله.
* قُتل للشيخ ولدان ( عبد الله وأنس ) قتلتهم جيوش الطاغية حافظ الأسد في أحداث مجزرة حماة مابين 1980- 1982م. وكان لمجرد ذكر هذه الحادثة يتأثر الشيخ رحمه الله فلم أشأ أن أسأله عن تفاصيلها.
* تولى الشيخ التدريس في مدارس تحفيظ القرآن ثم في كلية المعلمين بحائل، وتولَّى الإمامة والخطابة في جامع عيسى المهوس (جامع سوق الخضار) فترة طويلة.
* وكان الشيخ يُلقي دروسًا في المسجد وفي البيوت، وقرأ عليه عدد  من طلاب العلم في حائل واستفادوا منه خصوصًا في النحو واللغة. وممَّا قُرئ عليه وشرحه الشيخ: الآجرومية،  قطر الندى، ألفية ابن مالك، مقامات الحريري وغيرها من كتب اللغة.
* لم يهتم الشيخ بالإسناد رغم تلقيه عن شيخه راغب الطباخ محدث الشام الإجازة في مروياته وغيره، ولم يكن يجيز على طريقة المجيزين بأن يكتب إسناده كاملاً. وذكر لي أنّ إجازاته كانت مكتوبة عنده لكنه لم يهتم بها وضاعت.
وقد أخذ عنه الإجازة عدد من المشايخ وطلاب العلم، منهم: الشيخ المسند صالح العصيمي، والشيخ الحنبلي محمد بن ناصر العجمي الكويتي، والشيخ محمد زياد التكلة وغيرهم، هؤلاء رحلوا إليه في حائل ، وغيرهم.
وأتركك الآن مع ترجمة الشيخ لنفسه الموجزة التي كتبها بيده في 16/8/1424هـ  - وستراها مرفقة- :
( اسمي محمد عبد الله فرهود، سوري الجنسية، من مدينة حلب، وانحدرت من أسرة فقيرة ليست ذات حظٍّ من الثراء. ووالدي رحمه الله لم يكن من أهل العلم، بيد أنه كان محبًا لأهل العلم، وكان يحرص كل الحرص أن أرافقه لحضور حلقات العلم وسماع المواعظ والرقائق، فنلتُ الفوائد الجمَّة من أولئك المشايخ وأنا في نعومة أظفاري. ثم دخلتُ المدرسة الابتدائية ( سيف الدولة ) وأكملتُ فيها تحصيلي من هذه المدرسة. وأتيح لي أن ألتحق بمعهد شرعي يُسمَّى آنذاك ( الكلية الشرعية )، قوام الدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية بالإضافة إلى العلوم الأخرى ونهلتُ من هذه العلوم على نخبة من العلماء الأفذاذ والمشايخ الأعلام، أذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر: الشيخ محمد راغب الطباخ، مدرس الحديث الشريف ومصطلح الحديث والتاريخ، وله مؤلفات كثيرة وتحقيقات تشهد بغزارة علمه وعلوِّ كعبه. والشيخ محمد أبو الخير زين العابدين مدرس العقيدة وكان راسخًا في العلم، والشيخ نجيب الخياطة مدرس  التجويد والفرائض، وكان عملاقًا في كل ما يدرس. والشيخ محمد الملاح مدرس النحو والبلاغة والعروض، فكان حاذقًا في كل ما يُدرسه. والأستاذ عبدالرحمن الباشا كان يُدرِّس الأدب العربي كأنَّه جدول رقراق، وغير هؤلاء من الأساتذة القديرين. أسبغ الله عليهم رحمته.
لما فرغتُ من دراستي في الكلية الشرعية كانت نفسي توّاقة إلى الدراسة في الأزهر ، لكن افتُتحت كلية الشريعة في جامعة دمشق سنة 1954م، فأغنتني عن الذهاب إلى مصر. وجزى الله من سعى إلى إنشاء هذه الكلية التي كانت صرحًا علميًا سامقًا، ويسر الله لي الالتحاق بهذه الكلية، من أبرز أعلام الكلية حينذاك الشيخ الدكتور مصطفى السباعي الذي درّس الفقه، والشيخ مصطفى الزرقا الذي درّس الأصول، والشيخ محمد المبارك درّس فقه اللغة ونظام الإسلام، والدكتور أبو اليسر عابدين درسنا النحو . وآخرون. وارتشفتُ من مناهل هؤلاء الأعلام، وحصلتُ على شهادة (ليسانس) وانخرطت في سلك التعليم. درّستُ أولا في مدينة دير الزور ولبثتُ في هذه المدينة سنتين من سنة 1959م حتى سنة 1961م، ثم نُقلت إلى مسقط رأسي مدينة حلب حتى سنة 1970م.
1390هـ ذهبت إعارة إلى المملكة العربية السعودية فدرّست في منطقة القصيم أربع سنوات، كانت سنوات خصبة، تعرفت  خلالها على أساتذة أجلاء وأصدقاء أوفياء، فكانوا خير نموذج يُحتذى. حتى إذا انصرمت سنوات الإعارة رجعتُ إلى بلدي. لكن نفسي كانت تشرئبُّ إلى العودة إلى المملكة العربية السعودية حيث تكتحلُ عيناي بالحج والعمرة، وقد تحققت ما كانت تهفوا إليه نفسي فعدتُّ كرةً أخرى وكان حظي مدينة حائل مدينة حاتم الطائي حيث درّست في ثانوية تحفيظ القرآن  من سنة 1400هـ حتى 1413هـثم انتقلتُ على كلية المعلمين حتى 1419هـ، ثم انتقلت كفالتي إلى جمعية تحفيظ القرآن لأكون فيها موجهًا ومستشارًا تعليميًا.
لله درُّ أهل حائل فيهم الأصالة والخلق الأشم والوفاء .... ).
رحم الله الشيخ محمد فرهود، وجعله مع أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلحٍ منضود وظل ممدودٍ وماء مسكوب وفاكهة كثيرة .. وجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وكتبه
حسان بن إبراهيم بن عبدالرحمن الرديعان
بعد عشاء يوم عيد الفطر عام 1434هـ

منبع الكرم والشمائل في ذكر أخبار وآثار من عاش من أهل العلم في حائل




هذا الكتاب هو موسوعة توثيقية حول الحركة العلمية وتاريخها في منطقة حائل، وهو يغطي في تاريخها فترة حكم آل علي ثم آل رشيد ثم حائل في العهد الحاضر المملكة العربية السعودية، شمل هذا الكتاب الحديث عن نشأة العلم وأهل العلم وحلقاتهم، والمدارس العلمية التي مرت عليها المنطقة، مع ذكر تفاصيل هذه المدارس وأبرز علمائها، وموقفها من تبعية إمارة حائل للدولة العثمانية في ذلك الوقت، وكذلك الحديث عن القضاء قبل المحاكم الرسمية وأبرز القضاة، والحديث عن مدارس الإقراء، ثم بعد ذلك تراجم للعلماء والمتقدمين من طلبة العلم. وقد حوى الكتاب ما يقرب من 270 وثيقة متعلقة بموضوع الكتاب، مع إلحاق الكتاب بصورة ملونة من كتاب زهر الخمائل للشيخ علي الهندي الذي هو أول كتاب في تراجم أهل العلم صدر في حائل .

الكتاب صدر عام 1430هـ/ 2009
على نفقة مكتبة الأستاذ فهد العريفي رحمه الله بحائل


حاشيةُ الشيخ عبد الوهاب بن فيروز على الروضِ المربع ونُسَخُها الخطية



 مقال منشور في صحيفة الجزيرة يوم الأحد 7 شعبان 1426هـ

في التاسع من شهر رجب هذا العام (1426هـ) اطلعت على نسخة خطية في دار الكُتُب القطرية مكتوبٌ عليها (حاشية على حاشية الزاد لعبد الوهاب بن محمد بن فيروز)، فظننت أنها حاشية الشيخ عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن فيروز الأحسائي الشهيرة على الروض المربع التي لها أكثر من نسخة خطية في نجد وغيرها وان العنوان لم يكن إلا سهواً من الناسخ، فطلبت تصويرها من الأخ المسؤول الشيخ بلال السويدي جزاه الله خيراً. وبعد مقارنة هذه النسخة بإحدى نسخ الحاشية الخطية تبين لي أنها ليست حاشية ابن فيروز على الروض، بل إنها ليست لابن فيروز نفسه، مما دعاني إلى كتابة هذا المقال عن هذه النسخة وعن حاشية ابن فيروز على الروض في ضوء النقاط الآتية:

الأولى: صاحب الحاشية هو الشيخ عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن فيروز بن محمد بن بسَّام بن عقبة بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب الوهيبي التميمي النجدي ثم الأحسائي (1172هـ - 1203هـ) حنبلي فقيه أصولي، مات وهو في أول الثلاثين من عمره، وصنَّف تصانيف في الفقه والأصول والعربية، ذكر عنه ابن حميد في السحب الوابلة (2-682) شيئاً من ولعه بالمطالعة والنهمة في القراءة والتحصيل.
الثانية: مؤلفاته رحمه الله: 1- حاشية على شرح منتهى الإرادات للبهوتي (حاشية تحفة المستفيد - علماء - نجد - المدخل المفصل). 2- شرح عقود الجمان للمرُشدي (السحب - علماء نجد).
3-
الإرشاد إلى حصول الثواب بالزيادة على الأعداد. (مخطوطة علماء النجديين في الزبير. للشيخ صالح العسافي، أمدني بها الأخ الباحث الأستاذ علي بن سليمان المهيدب مشكوراً). 4- تعليق على التصريح للأزهري، شرح التوضيح لابن هشام (السحب - علماء نجد). 5- إبداء المجهود في جواب سؤال ابن داود أحد تلامذته حول التقليد (السحب الوابلة - علماء نجد - المدخل المفصل). 6- القول السديد في جواز التقليد (السحب الوابلة - علماء نجد - المدخل المفصل). 7- زوال اللَّبْس عمَّن أراد بيان ما يُمكن ان يُطلِعَ الله عليه أحداً من خلقه من الخمس (السحب الوابلة - علماء نجد). 8- شرح الإقناع (السحب الوابلة) ولم يذكره غيره ولعله يريد حاشية شرح المنتهى حيث لم يذكرها. 9- شرح جمع الجوامع في أصول الفقه (السحب الوابلة) لم يذكره غيره. 10- مسائل في الزيادة في الفاتحة في المانع للهلال، قال د. عبد الرحمن بن سليمان بن عثيمين في حاشيته على السحب الوابلة (2-683) تعليقاً على كتاب القول السديد: وجاء فيها: (واخبرني ملا عبد الله الغملاس ان عنده للشيخ عبد الوهاب بن فيروز رسائل خطية فقهية بخط بعض العلماء عن خط المؤلف، منها مسائل في الزيادة في الفاتحة في المانع للهلال.. ثم قال: وهذه لم يذكرها ابن حميد رحمه الله تعالى). 12- شرح الجوهر المكنون في البلاغة (السحب الوابلة - علماء نجد). 13- جواب حول مسألة وقوع الطلاق الثلاث المجموعة (العسافي). 14- مبحث المجتهد المذهبي والمجتهد المطلق (العسافي). 15- الفرق بين الكل والكلية والجزء والجزئية (العسافي). 16- مبحث في المهدي (العسافي). 17- جواب في مسألة جواز الحركة في الصلاة (العسافي). 18- إبدال الوقف للمصلحة ولو لم تتعطل منافعه (العسافي). 19- جواب مسألة عجن الطين بماء نجس (العسافي). 20- حاشية على الروض المربع وصل فيها المؤلف إلى باب الشركة ولم يكمله حيث اخترمته المنية قبل إتمامها، وهي المقصود من هذا المقال.
الثالثة: حاشية الشيخ ابن فيروز على الروض المربع شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع ذكرها ابن حميد في السحب الوابلة (2-683) بقوله (فمنها حاشية على شرح المقنع وصل فيها إلى الشركة وهي مفيدة جداً). والصحيح انها حاشية على شرح مختصر المقنع وليس شرح المقنع، فالزاد للحجاوي اختصر به المقنع لابن قدامة، والبهوتي في الروض المربع شرح الزاد، وابن فيروز على وضع الحاشية على الروض المربع. وذكرها أيضاً محمد آل عبد القادر الأنصاري الاحسائي في تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء في القديم والجديد (2-633) بقوله (وله حاشية معتمدة على شرح المقنع موجودة في بلاد نجد) علق الشيخ ابن مانع - رحمه الله - قائلاً: (الحاشية التي بيد طلبة العلم من الحنابلة لعبد الوهاب بن محمد بن فيروز على شرح الزاد للشيخ منصور البهوتي وقد وصل فيها إلى باب الشركة). فصحيح ابن مانع لفظة المؤلف (على شرح المقنع) إلى (شرح الزاد). كما ذكر هذه الحاشية الشيخ عبد الله بن بسام - رحمه الله - في علماء نجد (5-63) بقوله (حاشية نفيسة على شرح الزاد، وصل فيها إلى الشركة وحين ألفها كان ابن عشرين سنة، وقد رأيت منها عدة نسخ وكنا نراجعها أثناء قراءتنا على شيخنا عبد الرحمن السعدي، فنجد فيها فوائد قيمة، وقد نقل فيها عن الشيخ زامل بن سلطان أحد قضاة الرياض). ويقوم على تحقيقها فضيلة الشيخ ناصر السلامة وهي على وشك الطباعة الآن وقد اعتمد على ثلاث نسخ. وهذه الحاشية لها نسخ خطية كثيرة، وهي كالآتي:
أ - نسخة خطية في المكتبة الوطنية بعنيزة.
ب - نسخة خطية في المكتبة العلمية الصالحية في عنيزة، اعتمد عليها الشيخ ناصر السلامة في تحقيقه.
ج - نسخة في مكتبة الشيخ عبد العزيز بن مرشد.
د - قطعة منها في دارة الملك عبد العزيز (محفوظات مكتبة السلمان)، في ثمانٍ وعشرين ورقة.
هـ - نسخة مصورة في جامعة أم القرى برقم (59) وهي مصورة من جامعة برنستون الأمريكية رقم 2817، اعتمد عليها الشيخ ناصر السلامة في تحقيقه.
و - نسخة في مكتبة الشيخ عبد الله العنقري وهي من محفوظات دارة الملك عبد العزيز الآن، وهذه النسخة فيها سقط يسير من البداية نسخت بعد 1240هـ، وفي أول هذه النسخة حاشية الشيخ عبد الله أبا بطين على شرح الزاد في أول العشرين ورقة الأولى، ثم تبدأ حاشية ابن فيروز من وسط باب التيمم. وهي نسخة مصححة ومقابلة وعليها تعليقات وبعض الاستدراكات، منها استدراك استدركه بعض طلبة الشيخ غنَّام بن محمد بن غنَّام النجدي (ت1240هـ) تلميذ والد الشيخ عبد الوهاب في مسألة صحة الحوالة في العلم بالمال وان يكون مما يثبت مثله في الذمة، قال الشيخ عبد الوهاب (ل302): (ظاهره ان ما يصح السَّلَم فيه من المعدود والمذروع ليس كذلك وهو مخالفٌ لما في المنتهى والإقناع..) كُتب في الهامش: (قوله وهو مخالفٌ لما في المنتهى والإقناع.. أقول ليس فيه مخالفة لهما لأنهما شرطا للحوالة كونه يصح السَّلَمُ فيه من مثليّ وغيره كمعدود ومذروع أي ينضبطان بالصفة كما ذكره المصنف في شرحه..) وفي آخره كتب (تأمل وتمهل والله أعلم أ.هـ شيخنا الشيخ غنام النجدي ثم الشامي الحنبلي - رحمه الله تعالى -). وقد يكون هذا الطالب نقلها من حاشية الشيخ غنَّام.
وكذلك من فوائد التعليق على هذه النسخة: في أول كتاب المناسك قال الشيخ عبد الوهاب بن فيروز: (قوله ونفقةُ المَحْرَمِ عليها، أي المرأة ولو كان زوجها فيجب عليها بقدر نفقة الحضر، وما زاد فعليها، وقلت ملغزاً في ذلك شعراً:
يا أيها الحبر والبدرُ المنير ومن
به طريقُ فعالِ الخير قد عُمرت
ما صورةٌ وجب الإنفاق دُمْتَ لنا
فيها لزوجٍ على زوجٍ له اعتبرت
ولم يكن وارثاً ذا حاجةٍ نسباً
والعقدُ باقٍ لدى الأشياخِ قد شهرت)

فكُتب على هامش الورقة: (قوله وقلتُ ملغزاً في ذلك أي وسائلاً بهذا اللُّغز صاحبه عبد الله الوطبان، فأجابه الشيخ عبد الله بهذه الأبيات وهي هذه:
الحمدُ للواحدِ المنان ما سُطرت
مسائلُ العلم بالتحقيق وانتشرت
ثم الصلاة على خير الورى نسباً
وآله وصحاب وشمسُهم قد ظهرت
وجوب إنفاقها للزوج حينَ غدت
بهِ وقد سافرت للحجِّ واعتمرت)

وفي تعليقات هذه النسخة فوائد أخرى يطول ذكرها. وقد اعتمد على هذه النسخة الشيخ ناصر السلامة - سلمه الله - في تحقيقه يسَّرَ الله خروجه. وذكر منصور بن عبد العزيز الرشيد في بحثٍ نشره: ان حاشية بن فيروز طبعت مع حاشية العنقري مع الروض في ثلاثة مجلدات على نفقة الأمير منصور بن عبد العزيز وزير الدفاع - رحمه الله -، ورمزاً لها ب(ف) نسبة لابن فيروز، ثم أعاد طبعها صالح الراشد صاحب مكتبة الرياض الحديثة. وعن حاشية العنقري قال الشيخ بكر أبو زيد (المدخل المفصل 2-733): (وحقيقة هذه الحاشية أنها لتلميذه الفقيه القاضي الورع الشيخ محمد بن حسن الخيَّال ت بالرياض سنة 1410ه فقد كان يُحضر هذه النقولات وينتخبها من كتب المذهب ويثبتها بالتحشية على الروض المربع، ويعرضها على شيخه العنقري - رحمه الله - وكان كفيف البصر، فيقُرَّه عليه، وقد أبى الشيخ محمد الخيال من نسبتها إليه، فسارت بين طلبة العلم منسوبة لشيخه لعرضها عليه، وهذا من تواضع العلماء، مع أشياخهم وجزى الله الشيخين خير الجزاء وأوفاه. اخبرني بذلك ابن أخيه الشيخ الفقيه عبد المحسن بن عبد الله الخيال رئيس محاكم جدة).
الرابعة: بعد هذه الإلماحة القصيرة عن حاشية ابن فيروز يأتي الكلام على هذه النسخة القطرية المزعوم انها لابن فيروز. فهذه النسخة غير كاملة حيث بُدئت بكلام غير مفيد في مسألة طهورية الماء، وانتهت بأول أبواب الإجارة. وعليها تصحيحات وتعليقات يسيرة بخط غير خط النسخة، وقد قوبلت مع الأصل الذي كُتبت عليه كما يظهر من الدائرة المنقوطة ونسخت في السابع عشر من شهر رجب عام 1344هـ بقلم علي بن عبد الرحيم بخط النسخ الواضح الجيد في 117 ورقة.
وهي بعد التتبع والمطابقة: ليست إلا قطعة للمسائل التي دونها الشيخ العلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي (ت1125هـ) عن شيخه الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (ت1099هـ)، ومسائل ابن منقور طبعت بعنوان (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) وهي مسائل حررها عن شيخه ابن ذهلان كان يدونها بعد قيامه من الدرس، وأشار إلى فعله هذا بما فعله قبله الشيخ أحمد بن عطوة (ت 948هـ) مع شيخه الشيخ أحمد بن عبد الله العسكري (ت910هـ) حيث لم يأذن العسكري لابن عطوة الكتابة بعد الدرس فكان يكتب بعد الدرس، وأزاد فيها من أقوال العُلماء الحنابلة وغيرهم، يقول في مقدمته (وأضفت إلى ذلك ما وجدته من أجوبته، وما اطلعت عليه من أجوبة غيره من العلماء الأفاضل، وأبين قائله خروجا من تبعته، وأضفت كل شيء إلى ما يشابهه أو يقاربه..) وأشار الشيخ زهير الشاويش في وصفه النسخ الأربع التي طُبعت عليها الفواكه العديدة إلى صعوبات عديدة واجهتهم أثناء التحقيق فقال: (منها: اختلاف النسخ أحيانا، واستعمال المؤلف - رحمه الله تعالى - بعض الألفاظ والتعابير العامية المعروفة في بلده، وتوزع موضوعاته بحيث تجد بعضها مفرقا على أماكن متعددة). وأشار قبل ذلك إلى أن إحدى هذه النسخ فيها تقديم وتأخير، وتكرارٌ لبعض المباحث. ووصف نسخة أخرى بأنها ملخص للفواكه العديدة. ولما قارنت هذه النسخة بالفواكه العديدة في أكثر من موضع وباب إذا هي بمختصر للفواكه العديدة، ومسائل التقطت من كتاب ابن منقور، وفيها نقولات ليست من الباب الذي اختصره المختصر، غير ان عدم قراءتي للفواكه العديدة كاملا وبتمحُّص تجعلني لا أجزم بأن هذه النسخة فيها إضافات، وقد حاولت ان أبحث عن هذه النقولات كما في باب السواك مثلاً قريبا من الموضع الذي هي فيه في الفواكه إلا أني لم أجده. وبعد هذا يردُ على هذه النسخة احتمالان: الاحتمال الأول: ان هذه النسخة قطعة من ملخص الفواكه العديدة. إلا ان الملخص والمختصر غير معروف. الاحتمال الثاني: انها ملخص للفواكه العديدة وعليها بعض الإضافات والتحريرات والنقولات مما ليست في الفواكه العديدة وهو احتمال ضعيف، أوردته بسبب بعض النقولات التي لم أجدها في بحث يسير بالكتاب. وأما احتمال ان المختصِر هو ابن فيروز فهذا بعيد جدا لسببين: الأول: أن الذي أخطأ في العنوان بقوله (حاشية على حاشية الزاد) والكتاب نادراً ما يتطرق لمسائل الزاد، احتمالُ وقوعه في خطأ نسبة مؤلفه أقوى. الثاني: ما ذكره لي الشيخ ناصر السلامة - سلمه الله - وقد اطلع عليها من أن هذا ليس هو نفس عبد الوهاب ابن فيروز في النقل والتحرير، وهو قول وجيه ولا سيما انه محقق حاشيته. والله يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح

من مخرجات الاتجاه الفلسفي: نبذ العقل الوثوقي

1432هـ

من المخرجات الفلسفية التي نجدها عند التنويريين فكرة (الدوغمائية) والتي يقصد بها الجمود الفكري، ويُعبر عنها البعض بأنها التعصب لفكرةٍ ما. وتدور فكرة العقل الدوغمائي في تشخيص بناء العقل الإنساني عند التنويريين اليوم في نقطتين: 
1-      أنَّ العقل المتحجّر (الدوغمائي) هو العقل الوثوقي والذي أكثر أفكاره مسلَّمات موثوق بها.

2-      أنَّ العقل المتحجّر هو الذي يضع الآخرين المخالفين له- في سلة واحدة.

لذا كل تقليدي فهو دوغمائي، وكل واثق بمبادئه وثوابته فعقله عقلٌ دوغمائي.

ويختلط مع هذه النظرية والمبدأ صفات يتفق العقلاء على سوئها كالتعصُّب للرأي والاستبداد به ونحو ذلك، وهذا الاشتراك المعنوي يجعل العمومية في توصيف الأفكار والآراء غير عادلٍ في أحكام هذه النظرية.

وهذا التوصيف لهذه النظرية الذي نجده في كتابنا الصحفيين اليوم([1]) في استخدام شماعة الجمود الفكري والتقليدية في الأفكار خصوصًا في الأحكام الشرعية، يتضح عدم منطقيته على النحو الآتي:

1- أنهم يجعلون بهذا التعميم للنظرية- كل المصادر غير موثوق بها ! ولم يُحرروا أن هناك مصادر موثوقة وغير موثوقة. حتى يَسلموا من التناقض، وعلى كلامهم يلزم أني عندما أثق بالقصص التي ساقها القرآن أو المحكمات فيه أن يكون عقلي متحجرًا، وهكذا مع السنة النبوية وعمل الصحابة.

2- بعض هؤلاء يحمل شيئًا من التعقُّل والمنطقية عندما يستثني القرآن والسنة مما يعني أنهما عنده مصدر موثوق. لكنه يتناقض عندما يجعل فهمه لحُكم من الأحكام فيهما هو العقل الصحيح وفهم غيره لهذه الأحكام هو العقل الدوغمائي المتعصب التقليدي.

3- كما يلزم من كلام هؤلاء ألاَّ نثق بالسياسات والأنظمة المجتمعية المتفق عليها، كما لا نثق بالنظريات العلمية والحقائق التجريبية. وهذا هو مؤدّى النسبية والشك الديكارتي، اللتين هما في الحقيقة قلق فكري ونفسي.

وقد أصبحت هذه النظرية سيفًا مُصْلتًا على منهج السلف الصالح ( السلفية ) من قبل هؤلاء بحُكم أنها توصف بالتقليدية والجمود الفكري. وأعود على ما بدأت به من أنَّ هذه النظرية تحتاج إلى التطبيق: فمثلاً عند وصف عمل المسلمين الذين يتبركون ويسجدون إلى الأولياء والقبور وهي من أهم القضايا التي يتميز بها المنهج السلفي عن غيره من المناهج الإسلامية- بأنَّ هذا العمل شرك كما دلَّ عليه القرآن والسنة، هل يكون المسلم عندما يعتقد ويعمل بهذه المعلومة جامدًا فكريًا ومتحجرًا متعصبًا ؟!
وعلى غيرها فقِسْ مما يتبناه المنهج السلفي الذي هو تطبيق عملي للكتاب والسنة من قبل السلف الصالح = الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.


(1) انظر كمثال: جولة في العقل المتحجر، جريدة الوطن، العدد2448، الأربعاء27/5/1428هـ.