منبع الكرم والشمائل في ذكر أخبار وآثار من عاش من أهل العلم في حائل




هذا الكتاب هو موسوعة توثيقية حول الحركة العلمية وتاريخها في منطقة حائل، وهو يغطي في تاريخها فترة حكم آل علي ثم آل رشيد ثم حائل في العهد الحاضر المملكة العربية السعودية، شمل هذا الكتاب الحديث عن نشأة العلم وأهل العلم وحلقاتهم، والمدارس العلمية التي مرت عليها المنطقة، مع ذكر تفاصيل هذه المدارس وأبرز علمائها، وموقفها من تبعية إمارة حائل للدولة العثمانية في ذلك الوقت، وكذلك الحديث عن القضاء قبل المحاكم الرسمية وأبرز القضاة، والحديث عن مدارس الإقراء، ثم بعد ذلك تراجم للعلماء والمتقدمين من طلبة العلم. وقد حوى الكتاب ما يقرب من 270 وثيقة متعلقة بموضوع الكتاب، مع إلحاق الكتاب بصورة ملونة من كتاب زهر الخمائل للشيخ علي الهندي الذي هو أول كتاب في تراجم أهل العلم صدر في حائل .

الكتاب صدر عام 1430هـ/ 2009
على نفقة مكتبة الأستاذ فهد العريفي رحمه الله بحائل


حاشيةُ الشيخ عبد الوهاب بن فيروز على الروضِ المربع ونُسَخُها الخطية



 مقال منشور في صحيفة الجزيرة يوم الأحد 7 شعبان 1426هـ

في التاسع من شهر رجب هذا العام (1426هـ) اطلعت على نسخة خطية في دار الكُتُب القطرية مكتوبٌ عليها (حاشية على حاشية الزاد لعبد الوهاب بن محمد بن فيروز)، فظننت أنها حاشية الشيخ عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن فيروز الأحسائي الشهيرة على الروض المربع التي لها أكثر من نسخة خطية في نجد وغيرها وان العنوان لم يكن إلا سهواً من الناسخ، فطلبت تصويرها من الأخ المسؤول الشيخ بلال السويدي جزاه الله خيراً. وبعد مقارنة هذه النسخة بإحدى نسخ الحاشية الخطية تبين لي أنها ليست حاشية ابن فيروز على الروض، بل إنها ليست لابن فيروز نفسه، مما دعاني إلى كتابة هذا المقال عن هذه النسخة وعن حاشية ابن فيروز على الروض في ضوء النقاط الآتية:

الأولى: صاحب الحاشية هو الشيخ عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن فيروز بن محمد بن بسَّام بن عقبة بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب الوهيبي التميمي النجدي ثم الأحسائي (1172هـ - 1203هـ) حنبلي فقيه أصولي، مات وهو في أول الثلاثين من عمره، وصنَّف تصانيف في الفقه والأصول والعربية، ذكر عنه ابن حميد في السحب الوابلة (2-682) شيئاً من ولعه بالمطالعة والنهمة في القراءة والتحصيل.
الثانية: مؤلفاته رحمه الله: 1- حاشية على شرح منتهى الإرادات للبهوتي (حاشية تحفة المستفيد - علماء - نجد - المدخل المفصل). 2- شرح عقود الجمان للمرُشدي (السحب - علماء نجد).
3-
الإرشاد إلى حصول الثواب بالزيادة على الأعداد. (مخطوطة علماء النجديين في الزبير. للشيخ صالح العسافي، أمدني بها الأخ الباحث الأستاذ علي بن سليمان المهيدب مشكوراً). 4- تعليق على التصريح للأزهري، شرح التوضيح لابن هشام (السحب - علماء نجد). 5- إبداء المجهود في جواب سؤال ابن داود أحد تلامذته حول التقليد (السحب الوابلة - علماء نجد - المدخل المفصل). 6- القول السديد في جواز التقليد (السحب الوابلة - علماء نجد - المدخل المفصل). 7- زوال اللَّبْس عمَّن أراد بيان ما يُمكن ان يُطلِعَ الله عليه أحداً من خلقه من الخمس (السحب الوابلة - علماء نجد). 8- شرح الإقناع (السحب الوابلة) ولم يذكره غيره ولعله يريد حاشية شرح المنتهى حيث لم يذكرها. 9- شرح جمع الجوامع في أصول الفقه (السحب الوابلة) لم يذكره غيره. 10- مسائل في الزيادة في الفاتحة في المانع للهلال، قال د. عبد الرحمن بن سليمان بن عثيمين في حاشيته على السحب الوابلة (2-683) تعليقاً على كتاب القول السديد: وجاء فيها: (واخبرني ملا عبد الله الغملاس ان عنده للشيخ عبد الوهاب بن فيروز رسائل خطية فقهية بخط بعض العلماء عن خط المؤلف، منها مسائل في الزيادة في الفاتحة في المانع للهلال.. ثم قال: وهذه لم يذكرها ابن حميد رحمه الله تعالى). 12- شرح الجوهر المكنون في البلاغة (السحب الوابلة - علماء نجد). 13- جواب حول مسألة وقوع الطلاق الثلاث المجموعة (العسافي). 14- مبحث المجتهد المذهبي والمجتهد المطلق (العسافي). 15- الفرق بين الكل والكلية والجزء والجزئية (العسافي). 16- مبحث في المهدي (العسافي). 17- جواب في مسألة جواز الحركة في الصلاة (العسافي). 18- إبدال الوقف للمصلحة ولو لم تتعطل منافعه (العسافي). 19- جواب مسألة عجن الطين بماء نجس (العسافي). 20- حاشية على الروض المربع وصل فيها المؤلف إلى باب الشركة ولم يكمله حيث اخترمته المنية قبل إتمامها، وهي المقصود من هذا المقال.
الثالثة: حاشية الشيخ ابن فيروز على الروض المربع شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع ذكرها ابن حميد في السحب الوابلة (2-683) بقوله (فمنها حاشية على شرح المقنع وصل فيها إلى الشركة وهي مفيدة جداً). والصحيح انها حاشية على شرح مختصر المقنع وليس شرح المقنع، فالزاد للحجاوي اختصر به المقنع لابن قدامة، والبهوتي في الروض المربع شرح الزاد، وابن فيروز على وضع الحاشية على الروض المربع. وذكرها أيضاً محمد آل عبد القادر الأنصاري الاحسائي في تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء في القديم والجديد (2-633) بقوله (وله حاشية معتمدة على شرح المقنع موجودة في بلاد نجد) علق الشيخ ابن مانع - رحمه الله - قائلاً: (الحاشية التي بيد طلبة العلم من الحنابلة لعبد الوهاب بن محمد بن فيروز على شرح الزاد للشيخ منصور البهوتي وقد وصل فيها إلى باب الشركة). فصحيح ابن مانع لفظة المؤلف (على شرح المقنع) إلى (شرح الزاد). كما ذكر هذه الحاشية الشيخ عبد الله بن بسام - رحمه الله - في علماء نجد (5-63) بقوله (حاشية نفيسة على شرح الزاد، وصل فيها إلى الشركة وحين ألفها كان ابن عشرين سنة، وقد رأيت منها عدة نسخ وكنا نراجعها أثناء قراءتنا على شيخنا عبد الرحمن السعدي، فنجد فيها فوائد قيمة، وقد نقل فيها عن الشيخ زامل بن سلطان أحد قضاة الرياض). ويقوم على تحقيقها فضيلة الشيخ ناصر السلامة وهي على وشك الطباعة الآن وقد اعتمد على ثلاث نسخ. وهذه الحاشية لها نسخ خطية كثيرة، وهي كالآتي:
أ - نسخة خطية في المكتبة الوطنية بعنيزة.
ب - نسخة خطية في المكتبة العلمية الصالحية في عنيزة، اعتمد عليها الشيخ ناصر السلامة في تحقيقه.
ج - نسخة في مكتبة الشيخ عبد العزيز بن مرشد.
د - قطعة منها في دارة الملك عبد العزيز (محفوظات مكتبة السلمان)، في ثمانٍ وعشرين ورقة.
هـ - نسخة مصورة في جامعة أم القرى برقم (59) وهي مصورة من جامعة برنستون الأمريكية رقم 2817، اعتمد عليها الشيخ ناصر السلامة في تحقيقه.
و - نسخة في مكتبة الشيخ عبد الله العنقري وهي من محفوظات دارة الملك عبد العزيز الآن، وهذه النسخة فيها سقط يسير من البداية نسخت بعد 1240هـ، وفي أول هذه النسخة حاشية الشيخ عبد الله أبا بطين على شرح الزاد في أول العشرين ورقة الأولى، ثم تبدأ حاشية ابن فيروز من وسط باب التيمم. وهي نسخة مصححة ومقابلة وعليها تعليقات وبعض الاستدراكات، منها استدراك استدركه بعض طلبة الشيخ غنَّام بن محمد بن غنَّام النجدي (ت1240هـ) تلميذ والد الشيخ عبد الوهاب في مسألة صحة الحوالة في العلم بالمال وان يكون مما يثبت مثله في الذمة، قال الشيخ عبد الوهاب (ل302): (ظاهره ان ما يصح السَّلَم فيه من المعدود والمذروع ليس كذلك وهو مخالفٌ لما في المنتهى والإقناع..) كُتب في الهامش: (قوله وهو مخالفٌ لما في المنتهى والإقناع.. أقول ليس فيه مخالفة لهما لأنهما شرطا للحوالة كونه يصح السَّلَمُ فيه من مثليّ وغيره كمعدود ومذروع أي ينضبطان بالصفة كما ذكره المصنف في شرحه..) وفي آخره كتب (تأمل وتمهل والله أعلم أ.هـ شيخنا الشيخ غنام النجدي ثم الشامي الحنبلي - رحمه الله تعالى -). وقد يكون هذا الطالب نقلها من حاشية الشيخ غنَّام.
وكذلك من فوائد التعليق على هذه النسخة: في أول كتاب المناسك قال الشيخ عبد الوهاب بن فيروز: (قوله ونفقةُ المَحْرَمِ عليها، أي المرأة ولو كان زوجها فيجب عليها بقدر نفقة الحضر، وما زاد فعليها، وقلت ملغزاً في ذلك شعراً:
يا أيها الحبر والبدرُ المنير ومن
به طريقُ فعالِ الخير قد عُمرت
ما صورةٌ وجب الإنفاق دُمْتَ لنا
فيها لزوجٍ على زوجٍ له اعتبرت
ولم يكن وارثاً ذا حاجةٍ نسباً
والعقدُ باقٍ لدى الأشياخِ قد شهرت)

فكُتب على هامش الورقة: (قوله وقلتُ ملغزاً في ذلك أي وسائلاً بهذا اللُّغز صاحبه عبد الله الوطبان، فأجابه الشيخ عبد الله بهذه الأبيات وهي هذه:
الحمدُ للواحدِ المنان ما سُطرت
مسائلُ العلم بالتحقيق وانتشرت
ثم الصلاة على خير الورى نسباً
وآله وصحاب وشمسُهم قد ظهرت
وجوب إنفاقها للزوج حينَ غدت
بهِ وقد سافرت للحجِّ واعتمرت)

وفي تعليقات هذه النسخة فوائد أخرى يطول ذكرها. وقد اعتمد على هذه النسخة الشيخ ناصر السلامة - سلمه الله - في تحقيقه يسَّرَ الله خروجه. وذكر منصور بن عبد العزيز الرشيد في بحثٍ نشره: ان حاشية بن فيروز طبعت مع حاشية العنقري مع الروض في ثلاثة مجلدات على نفقة الأمير منصور بن عبد العزيز وزير الدفاع - رحمه الله -، ورمزاً لها ب(ف) نسبة لابن فيروز، ثم أعاد طبعها صالح الراشد صاحب مكتبة الرياض الحديثة. وعن حاشية العنقري قال الشيخ بكر أبو زيد (المدخل المفصل 2-733): (وحقيقة هذه الحاشية أنها لتلميذه الفقيه القاضي الورع الشيخ محمد بن حسن الخيَّال ت بالرياض سنة 1410ه فقد كان يُحضر هذه النقولات وينتخبها من كتب المذهب ويثبتها بالتحشية على الروض المربع، ويعرضها على شيخه العنقري - رحمه الله - وكان كفيف البصر، فيقُرَّه عليه، وقد أبى الشيخ محمد الخيال من نسبتها إليه، فسارت بين طلبة العلم منسوبة لشيخه لعرضها عليه، وهذا من تواضع العلماء، مع أشياخهم وجزى الله الشيخين خير الجزاء وأوفاه. اخبرني بذلك ابن أخيه الشيخ الفقيه عبد المحسن بن عبد الله الخيال رئيس محاكم جدة).
الرابعة: بعد هذه الإلماحة القصيرة عن حاشية ابن فيروز يأتي الكلام على هذه النسخة القطرية المزعوم انها لابن فيروز. فهذه النسخة غير كاملة حيث بُدئت بكلام غير مفيد في مسألة طهورية الماء، وانتهت بأول أبواب الإجارة. وعليها تصحيحات وتعليقات يسيرة بخط غير خط النسخة، وقد قوبلت مع الأصل الذي كُتبت عليه كما يظهر من الدائرة المنقوطة ونسخت في السابع عشر من شهر رجب عام 1344هـ بقلم علي بن عبد الرحيم بخط النسخ الواضح الجيد في 117 ورقة.
وهي بعد التتبع والمطابقة: ليست إلا قطعة للمسائل التي دونها الشيخ العلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي (ت1125هـ) عن شيخه الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (ت1099هـ)، ومسائل ابن منقور طبعت بعنوان (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) وهي مسائل حررها عن شيخه ابن ذهلان كان يدونها بعد قيامه من الدرس، وأشار إلى فعله هذا بما فعله قبله الشيخ أحمد بن عطوة (ت 948هـ) مع شيخه الشيخ أحمد بن عبد الله العسكري (ت910هـ) حيث لم يأذن العسكري لابن عطوة الكتابة بعد الدرس فكان يكتب بعد الدرس، وأزاد فيها من أقوال العُلماء الحنابلة وغيرهم، يقول في مقدمته (وأضفت إلى ذلك ما وجدته من أجوبته، وما اطلعت عليه من أجوبة غيره من العلماء الأفاضل، وأبين قائله خروجا من تبعته، وأضفت كل شيء إلى ما يشابهه أو يقاربه..) وأشار الشيخ زهير الشاويش في وصفه النسخ الأربع التي طُبعت عليها الفواكه العديدة إلى صعوبات عديدة واجهتهم أثناء التحقيق فقال: (منها: اختلاف النسخ أحيانا، واستعمال المؤلف - رحمه الله تعالى - بعض الألفاظ والتعابير العامية المعروفة في بلده، وتوزع موضوعاته بحيث تجد بعضها مفرقا على أماكن متعددة). وأشار قبل ذلك إلى أن إحدى هذه النسخ فيها تقديم وتأخير، وتكرارٌ لبعض المباحث. ووصف نسخة أخرى بأنها ملخص للفواكه العديدة. ولما قارنت هذه النسخة بالفواكه العديدة في أكثر من موضع وباب إذا هي بمختصر للفواكه العديدة، ومسائل التقطت من كتاب ابن منقور، وفيها نقولات ليست من الباب الذي اختصره المختصر، غير ان عدم قراءتي للفواكه العديدة كاملا وبتمحُّص تجعلني لا أجزم بأن هذه النسخة فيها إضافات، وقد حاولت ان أبحث عن هذه النقولات كما في باب السواك مثلاً قريبا من الموضع الذي هي فيه في الفواكه إلا أني لم أجده. وبعد هذا يردُ على هذه النسخة احتمالان: الاحتمال الأول: ان هذه النسخة قطعة من ملخص الفواكه العديدة. إلا ان الملخص والمختصر غير معروف. الاحتمال الثاني: انها ملخص للفواكه العديدة وعليها بعض الإضافات والتحريرات والنقولات مما ليست في الفواكه العديدة وهو احتمال ضعيف، أوردته بسبب بعض النقولات التي لم أجدها في بحث يسير بالكتاب. وأما احتمال ان المختصِر هو ابن فيروز فهذا بعيد جدا لسببين: الأول: أن الذي أخطأ في العنوان بقوله (حاشية على حاشية الزاد) والكتاب نادراً ما يتطرق لمسائل الزاد، احتمالُ وقوعه في خطأ نسبة مؤلفه أقوى. الثاني: ما ذكره لي الشيخ ناصر السلامة - سلمه الله - وقد اطلع عليها من أن هذا ليس هو نفس عبد الوهاب ابن فيروز في النقل والتحرير، وهو قول وجيه ولا سيما انه محقق حاشيته. والله يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح

من مخرجات الاتجاه الفلسفي: نبذ العقل الوثوقي

1432هـ

من المخرجات الفلسفية التي نجدها عند التنويريين فكرة (الدوغمائية) والتي يقصد بها الجمود الفكري، ويُعبر عنها البعض بأنها التعصب لفكرةٍ ما. وتدور فكرة العقل الدوغمائي في تشخيص بناء العقل الإنساني عند التنويريين اليوم في نقطتين: 
1-      أنَّ العقل المتحجّر (الدوغمائي) هو العقل الوثوقي والذي أكثر أفكاره مسلَّمات موثوق بها.

2-      أنَّ العقل المتحجّر هو الذي يضع الآخرين – المخالفين له- في سلة واحدة.

لذا كل تقليدي فهو دوغمائي، وكل واثق بمبادئه وثوابته فعقله عقلٌ دوغمائي.

ويختلط مع هذه النظرية والمبدأ صفات يتفق العقلاء على سوئها كالتعصُّب للرأي والاستبداد به ونحو ذلك، وهذا الاشتراك المعنوي يجعل العمومية في توصيف الأفكار والآراء غير عادلٍ في أحكام هذه النظرية.

وهذا التوصيف لهذه النظرية الذي نجده في كتابنا الصحفيين اليوم([1]) في استخدام شماعة الجمود الفكري والتقليدية في الأفكار خصوصًا في الأحكام الشرعية، يتضح عدم منطقيته على النحو الآتي:

1- أنهم يجعلون –بهذا التعميم للنظرية- كل المصادر غير موثوق بها ! ولم يُحرروا أن هناك مصادر موثوقة وغير موثوقة. حتى يَسلموا من التناقض، وعلى كلامهم يلزم أني عندما أثق بالقصص التي ساقها القرآن أو المحكمات فيه أن يكون عقلي متحجرًا، وهكذا مع السنة النبوية وعمل الصحابة.

2- بعض هؤلاء يحمل شيئًا من التعقُّل والمنطقية عندما يستثني القرآن والسنة مما يعني أنهما عنده مصدر موثوق. لكنه يتناقض عندما يجعل فهمه لحُكم من الأحكام فيهما هو العقل الصحيح وفهم غيره لهذه الأحكام هو العقل الدوغمائي المتعصب التقليدي.

3- كما يلزم من كلام هؤلاء ألاَّ نثق بالسياسات والأنظمة المجتمعية المتفق عليها، كما لا نثق بالنظريات العلمية والحقائق التجريبية. وهذا هو مؤدّى النسبية والشك الديكارتي، اللتين هما في الحقيقة قلق فكري ونفسي.

وقد أصبحت هذه النظرية سيفًا مُصْلتًا على منهج السلف الصالح ( السلفية ) من قبل هؤلاء بحُكم أنها توصف بالتقليدية والجمود الفكري. وأعود على ما بدأت به من أنَّ هذه النظرية تحتاج إلى التطبيق: فمثلاً عند وصف عمل المسلمين الذين يتبركون ويسجدون إلى الأولياء والقبور – وهي من أهم القضايا التي يتميز بها المنهج السلفي عن غيره من المناهج الإسلامية- بأنَّ هذا العمل شرك كما دلَّ عليه القرآن والسنة، هل يكون المسلم عندما يعتقد ويعمل بهذه المعلومة جامدًا فكريًا ومتحجرًا متعصبًا ؟!
وعلى غيرها فقِسْ مما يتبناه المنهج السلفي الذي هو تطبيق عملي للكتاب والسنة من قبل السلف الصالح = الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.


(1) انظر كمثال: جولة في العقل المتحجر، جريدة الوطن، العدد2448، الأربعاء27/5/1428هـ.

ارتشاف التجديد في مورد الهوى



ارتشاف التجديد في مورد الهوى
 3 شوال 1433هـ


الحمد لله وحده وبعد:

أعظم الفتنة إناطةُ فهم الوحي بالميل لفلان وفلان. وكونُهُ فتنة: هو أن يكون ذلك بغير قصد، وأمَّا إذا كان بقصدٍ فلا شك أنَّه الضلال الذي أهلك من قبلنا. وفي ذلك دعوة موسى: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا.
في بعض الأشخاص من التأثير ما يجعلُهُ مكتمل الحقيقة، فتُسلَبُ فهم الوحي بذلك. وما يحصل هذا إلا عند العجز عن التجرُّد وفقدِ آلة الفهم التي جعلها علماء الإسلام ميراثًا مهذَّبًا له أصول وفروع، يكفي مَن تمسّك بأصوله النجاة من مهالك هذه الموارد، وأمَّا إدراك الأصول مع الفروع فهي مرتبة عليا ليس الخطاب هنا موجهٌ لمن بلغها.
إنَّ فتنة العلم وبناء الأفكار على هذه الفتنة ليست حدثًا جديدًا على المسلمين، لكنها تأخذ أشكالاً جديدة حسب الزمان والمكان عبر تاريخ المسلمين. وكم صفى العلمُ القليل المأخوذ في حلق المساجد وشد الرحال لصاحبه عند المُحاجزة، في حين كدّرتِ الألقابُ والشهادات العليا على أصحابها العلمَ الكثير عند المُناجزة.
وفتنة العمل في الإسلام ليست بأقلَّ من ذلك؛ فهذا عروة بن أذينة –من رؤوس الخوارج المتبوعين- الذي أؤتمن خادمُه على وصف عمله فقال: ما وضعت له طعامًا في نهار ولا فرشتُ له فراشًا في ليل قط. أي من كثرة صيامه وقيامه، هاهو قد شهد على عثمان بن عفان ثم على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما بالكفر!!
ولمّا كان الهديُ النبوي والعهد الراشدي التربيةَ على صغار الأمور قبل كبارها، والالتفات للناس من أجل الناس؛ برزت في المجتمع أمور عظيمة لمَّا خلتْ من هذا الهدي: دفعَ المرءُ غيسانَ شبابه ورُبَّان فتوته لقضايا أصبحت هامشية، بل أشبه بالسراب، قادهُ إليها الافتتان بقول قائلٍ أو عمل عامل، وربما دفع دمعات والديه ثمنًا لذلك، بل ربما دفع أكثر من ذلك وهي حياته. وانشغل فئام لمَّا يميزوا المحكم من المتشابه بتنظير قضايا لو كانت في عهد عمر لجمع لها أهل بدر. وانحازت الأحكام للمجموعات والتصنيفات. وهكذا حتى غدا جسم المجتمع مريضًا بأدواء وأسقام.
ولمَّا تعلق بناء منهج الدعوة والتربية في الأشخاص والتصورات التي تدور على الذوات المجردة أصبحت المآلات كما نراها:
- افتقر التأصيل إلى التشبع من غنى مقاصد الشريعة في السياسة وحفظ الضروريات، فاستُورِدَ نصراني عربي ليعطينا دروسًا من منهلِه ومحتدِه في الحقوق وبناء المجتمع الحقوقي، ونالَ حظوةً أبانت العوز في الهويَّة والمقصد.
- خلت النفوس من الارتواء من معين الموازنة بين المصالح والمفاسد الذي فاض تراثنا من تقريره وتحريره (وهو أهم درسٍ لمعالجة المجتمع)، فآل ذلك إلى قياسات فاسدة طالت تطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغلو والجفاء في حق الحاكم والمحكوم. فقادت الأهواء وسوء الترجيح إلى تعظيم ظلم الحاكم في مقابل الاستهانة بجناية العالِم، واختلاط حقوق الناس العامة والخاصة في أولوياتها والدفاع عنها، ودفع الظلم عن الأقلية بما يجرُّ المفسدة على الأكثرية.
- تصوُّرُ النجاح والتوفيق في عمل المحاضن التربوية بأنه الشهرة الواسعة والاحتفاء في كل محفل وجني الثمرة في كل حين والإشادة والثناء من كل أحد ، فآل فقدُ ذلك إلى اليأس والملل ثم التبديل والتغيير.
- فهمُ الثبات على المبادئ بأنه الشعور بالزهو في كل مرحلة والراحة المتنامية، فآل ذلك إلى الاصطدام بالعوائق والانزلاق في المضايق والافتتان عند الامتحان واهتزاز الثقة عند المماحكة.
- التعوّد على معالجة القضايا المنهجية بالطَّبع والجبلَّة، فآل ذلك إلى عدم القدرة على تمييز المنهج الرباني من المنهج البشري ومن هذا خرج التعصب والمكابرة و غير ذلك.
إنَّ ما يلوح في الأفق عند مقارنة اليوم بالأمس أنَّ هناك عدم استفادة –وإرادة عدم الاستفادة- من مزالق الأمس. فلا زلنا متعلقين بالرموز والأشخاص حتى بعد أن بدلوا وتغيروا، وتبدلت الظروف وتغيرت.
لما جاءت مفاهيم المجتمع المدني والأنظمة الحقوقية وصارت ملأ السمع والبصر وتمكنت من حديث النُّخب والرموز، ظهر النقصُ الحاد في المخزون الشرعي لفظًا ومعنى عند من استشرفت نفسه التجديد في هذا المورد وارتشافه. وإنما قلتُ ارتشافًا لأنَّ من تليَّن كلامه وتواقيعه وشعاراته ب(الحرية) و(المساواة) و(الإنسان أولاً) هِيَ على لسانه كارتشاف الفم للعسَل ومنادمة المعشوق لمعشوقه. فأُخِذَ بذلك عن تمحيص هذه الألفاظ من دواخل الباطل، واستغنى بها عن حصانة ( العدل ) والقواعد الشرعية وما تحمله من قيود جامعة مانعة. وما النهايات المؤلمة كسيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، ومساواة كلمة الحق وكلمة الكفر في مفهوم حرية التعبير، واللوازم المترتبة على صوت الأكثرية، وعدم التفريق بين حال الاضطرار والاختيار وغير ذلك إلا سَوءة من سوءات التجديد المطلقة من فم الرموز، وعورة من عورات سالكيه في هذا المورد، كابَرَ فيها أكثرهم.
ما أقساهُ من منظر، وما أشنعه من شعور حينما ترى المتدثر بلباس الشريعة قادته المدنيَّة إلى وضع كفِّه بكفِّ حقوقيٍّ مسلوب الدين! أو مناهضٍ للطغيان رافضي المنشأ! أو ناشط اجتماعي شعوبي الفكر!  ليُقرِّرَ معهم –ولو بالفعل دون القول- أنَّ (الفتنة) وَهْمٌ استغلَّه السياسي، وأنَّ مبدأ الحفاظ على الجماعة يورث الاستكانة والذل، وأنَّ الكفر الأكبر هو الظلم الواقع على الناس، وأنَّ الطاغوت هو الاستبداد السياسي إلى غير ذلك من الترّهات. قد أفصح هذا المتدثِّر وهو لا يشعر أنَّ موازينه هي سلامة العيش وانتظام الرزق وأن يقول من شاء ما شاء.
كلما كان بناء الشباب على النصوص الشرعية ومقاصدها والغوص في مضامينها كان التعلق بالرموز والافتتان بآرائهم أقلّ وأسلم، وكانوا أقدر على الثبات عند موارد الزلل.
إنِّي أعتقدُ جازمًا أنَّ على أهل العلم –علماء وطلاب علم وحماة للدين- في هذه البلاد خاصة أن يدركوا حقيقة واقعة –ليست لغيرهم- وهي أنَّ الله عزَّ وجل جعلهم الله حملةَ ميراث النبي صلى الله عليه وسلم في أرض النبي صلى الله عليه وسلم ومهد دعوته التي خرجت صافية إلى أرجاء المعمورة وأن أمامهم تحد للحفاظ على كيان هذه البلاد الموحّد بالخير والصفاء. وأنَّ هذا الصفاء موعود بالكدرة واللوث، وأشدُّ هذه الكدرة هي آراء الرجال في مقابلة الوحي، وأنَّ فئة ستظلُّ تحفظ هذا الصفو من التكدير إلى قيام الساعة بإذن الله. والله أعلم ..